انتشر خلال الساعات الماضية، كانتشار النار في الهشيم، مقطع فيديو يوثق لحظات من الفيضانات العارمة التي اجتاحت أجزاء واسعة من دولة نيبال مؤخراً. وتصدر هذا المشهد منصات التواصل الاجتماعي بسرعة لافتة، حيث أظهرت اللقطات الأولية سيولاً طينية جارفة تبتلع كل ما يعترض طريقها، ومنازل تنهار وتنجرف كأنها مصنوعة من ورق، وطرقاً وجسوراً وبنى تحتية تختفي بالكامل تحت وطأة المياه المندفعة بقوة. تعكس هذه المشاهد في ظاهرها حجم الكارثة الإنسانية والمادية الفادحة التي خلفتها الأمطار الموسمية الغزيرة في البلاد، والتي أدت إلى تشريد الآلاف وتدمير ممتلكاتهم. ولكن اللافت للنظر في هذا السياق الرقمي المتسارع، هو أن آلاف الحسابات الشخصية والصفحات العامة تداولت هذا المقطع ليس فقط كخبر عاجل أو توثيق لكارثة طبيعية، بل تم ربطه بشكل مباشر بأحداث مجتمعية وتاريخية سابقة شهدتها المنطقة، مما أخرجه من سياقه الجيولوجي والمناخي البحت.
لماذا انتشر الفيديو بهذا الشكل؟
لم يقتصر هذا الفيديو المتداول على عرض مشاهد الفيضانات والدمار الصادمة التي تثير التعاطف الإنساني المعتاد فحسب، بل اعتمد على تقنية دمج هذه المشاهد مع لقطات أرشيفية قديمة تعود لأحداث وتوترات طائفية واضطرابات مجتمعية سابقة وقعت في نيبال. هذا المونتاج البصري لم يكن عشوائياً، بل صُنع ليخلق حالة من التباين والمقارنة في ذهن المتلقي.
اقرأ أيضًا.. فرص جديدة للمصريين للعمل في إيطاليا
مشهد فيضانات نيبال.. كيف ربط الجمهور بين الكارثة والأحداث السابقة؟
تم دمج هذه اللقطات المختلفة بعناية لتربط بين الحدثين بطريقة درامية. وهذا التوليف ترك أثرًا نفسياً ملحوظًا لدى المشاهدين ودفع الملايين لمشاركته والتعليق عليه. فقد رأى بعض المتفاعلين أن الكارثة تحمل أبعاداً تتجاوز التفسير المناخي البحت، وربطوا بين الحدث الطبيعي الحالي وماضي التوترات في البلاد. وما ميز انتشار هذا المقطع عن التغطيات الإخبارية المعتادة للكوارث الطبيعية، هو تحوله المباشر إلى مادة تحمل تفسيرات ورسائل متعددة، تعكس وجهات نظر من يشاركها وتخدم قناعاتهم الشخصية. في عصر اقتصاد الانتباه، تدرك الحسابات التي تنشئ هذا النوع من المحتوى أن إثارة الجدل وربط الكوارث بالأحداث الخلافية يضمن انتشاراً أوسع وتفاعلاً أكبر بكثير من مجرد نقل الخبر المجرد.
لماذا تنجذب الجماهير لتفسيرات كهذه؟
من زاوية اجتماعية ونفسية متعمقة، يعكس هذا التفاعل الكبير كيف يتعاطى الجمهور مع الكوارث الكبرى والأزمات المفاجئة. فعندما يشاهد الناس أحداثاً ضخمة خارجة عن السيطرة، يميل قطاع واسع منهم لا شعورياً إلى البحث عن روابط منطقية أو سياقات تاريخية أو اجتماعية تمنح هذه الفوضى معنى مفهوماً. العقل البشري مبرمج على البحث عن الأنماط، وفي حالة هذا الفيديو، وجد العديد من المستخدمين مساحة لربط مشاهد الدمار الحالي بمشاهد الصراعات القديمة، في محاولة لإيجاد مقاربة تفسر الحدث وفقاً لقناعاتهم الخاصة.
هذا الانجذاب يعود أيضاً إلى ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ “فرضية العالم العادل”، وهي رغبة الإنسان العميقة في الاعتقاد بأن الأحداث لا تقع بشكل اعتباطي، وأن هناك توازناً ما يتحقق في النهاية. لذلك، عندما تُعرض أمامهم مشاهد لكارثة طبيعية مدمجة مع مشاهد لظلم أو اضطرابات سابقة، يسهل على الكثيرين تبني السردية التي تربط بينهما، متجاهلين الحقائق العلمية والتفسيرات الموضوعية المتعلقة بالتغير المناخي أو سوء البنية التحتية التي أدت إلى تفاقم الفيضانات.
استحضار الذاكرة الجمعية وقت الأزمات
هذا الكم الهائل من التفاعل يسلط الضوء بوضوح على طبيعة التلقي الجماهيري للأحداث عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكيفية عمل الذاكرة الجمعية في الفضاء الرقمي. فقد وضع المقطع أمام المشاهدين حدثين مختلفين تماماً من حيث الزمن والمسببات: فيضان طبيعي يجرف الطرقات اليوم، وذكرى لاضطرابات مجتمعية قديمة بالأمس.
هذا المزج البصري الصريح فتح باباً واسعاً للنقاش حول قدرة الإنترنت على الاحتفاظ بالذاكرة الجمعية للمجتمعات واستدعائها في أي لحظة. فالجمهور، وخاصة في الفضاء الرقمي المفتوح، غالباً ما يستحضر الذكريات السابقة والتجارب المريرة بمجرد أن تتكرر الجغرافيا نفسها في خبر جديد، حتى لو كان الخبر متعلقاً بكارثة طبيعية لا يد للبشر فيها. وبذلك، تحول الحدث الطبيعي في أذهان الكثيرين إلى نقطة انطلاق لنقاشات أوسع حول التاريخ، وحقوق الإنسان، وتذكير جماعي بأحداث سابقة لم تُمحَ من الذاكرة الرقمية. هذا السلوك يوضح كيف أصبحت منصات التواصل تعمل كأرشيف حي للمشاعر الإنسانية، يُعاد فتحه مع كل أزمة جديدة.
▶︎
مشاهدة الفيديو
سيتم تحويلك تلقائيًا بعد العدّاد